ماذا حصل خلال 29 عاماً من عمر انتفاضة جنوب كردستان؟

في مثل هذا اليوم من عام 1991 انطلقت شرارة الانتفاضة في جنوب كردستان ضد النظام البعثي البائد،ومن الثمرات السياسية الواضحة التي جنتها الانتفاضة هو تشكيل برلمان في 19/5/1992، وتشكيل الحكومة التي أخذت على عاتقها إدارة شؤون الاقليم، لكن ما تتخلله سنوات ما بعد الانتفاضة اعظم.


وبحلول الذكرى الـ29 من الانتفاضة الشعبية في جنوب كردستان اعدت وكالة rojnews هذا التقرير الذي يسلط الضوء على ابرز الاحداث ما قبل وبعد الانتفاضة:

بدأت انتفاضة إقليم كردستان يوم 5 آذار من عام 1991 ضد دكتاتورية النظام البعثي من مدينة رانيا، ومن ثم انتقلت إلى باقي مدن وبلدات الإقليم، وأسفرت هذه الانتفاضة عن تحرير محافظات هولير والسليمانية ودهوك من قبضة النظام البعثي.

قبل الانتفاضة

في ختام الحرب الايرانية العراقية ذات الـ8 سنوات، شن النظام البعثي هجوماً كيماوياً على حلبجة في 16 اذار 1988 واسفر عن استشهاد حوالي 5 الاف شخص و اصابة الالاف الاخرين لازال الاحياء منهم يعانون حتى الان من التأثير الكيميائي.

سبق هذه المجزرة جرائم الانفال التي ارتكبها النظام البعثي الذي قتل فيها 182 الف شخص من جنوب كردستان من مختلف مناطقها ودمر الاف القرى.

في عام 1986 و بدعم ايراني باعتباره مناوئ لنظام صدام، تمكن الاتحاد الوطني الكردستاني تشكيل جبهة مع الاحزاب الاشتراكي و الشيوعي و الديمقراطي الكردستاني من تشكيل الجبهة الكردستانية، وفي نهاية العام ضمت مجمل الاحزاب الكردية، هدفه مواجهة النظام البعثي.

في 2 اب 1990 احتل نظام صدام الكويت و اعلنها المحافظة التاسعة عشر، وبنتيجتها قامت الامم المتحدة و التحالف الغربي بفرض عقوبات النظام العراقي و اعطته مهلة حتى 15 كانون الثاني 1991 للانسحاب من الكويت.

في 17 كانون الثاني 1991 بدأ الهجوم الدولي على العراق و تمكنت من تشيتت الجيش العراقي خلال ايام واخراجه من الكويت.

بالتزامن اشعلت القوى الشيعية في جنوب العراق الانتفاضة التي تطلق عليها الشعبانية، وكانت الفرصة مواتية للقوى الكردية لاشعال الانتفاضة من جانبهم ايضاً.

في الخامس من آذار من العام 1991 شهدت مدينة (رانيه) التابعة لمحافظة السليمانية إنطلاق الشرارة الأولى لانتفاضة جنوب كردستان، وإتسعت مساحة الانتفاضة لتصل إلى مدينة السليمانية في السابع من آذار، لتنتفض هذه المدينة بالكامل، حيث استطاع أبناؤها من السيطرة الكاملة على الدوائر الأمنية والادارية فيها، وهروب منتسبيها من عناصر النظام البعثي  بعد أن إنهارت أمام ضربات المنتفضين.

وبذلك تحررت مدينة السليمانية في الثامن من آذار/1991، ثم وصلت شرارة الانتفاضة الى هولير في 11/3/1991  وقارعت النظام على غرار السليمانية ، وحررتها من فلول النظام .

ثم واصل أبناء الانتفاضة تقدمهم بخطى متسارعة ليحرروا مدن عدة، دهوك، كويه، شقلاوة، حلبجة، آميدي، مخمور، زاخو، آكري، دربنديخان، كلار، جوارتا، بنجوين، سيد صادق، وجميع أقضية ونواحي اقليم كردستان، لينتهي بهم المطاف في مدينة كركوك التي حرروها في العشرين من آذار/1991، لينهوا بذلك المرحلة الأخيرة من الانتفاضة.

لم يستمر الوضع على حاله طويلاً، فقد عاد جيش العراقي و فرضت سيطرتها على كركوك في 28 اذار 1991،ثم تمدد الى معظم مناطق جنوب كردستان وبحصيلته نزح الالاف من المواطنين الكرد الى شرق و شمال كردستان.

وفي تموز وتشرين الاول من العام نفسه انتفض الشعب مرة اخرى و طردوا عناصر النظام من مقاره في المحافظات الكردستانية، وبدأت تدار مؤسسات الدولة فيها من قبل الجبهة الكردستانية التي قررت اجراء الانتخابات في المنطقة.

اول حكومة وبرلمان

ولاول مرة اجريت الانتخابات التشريعية في اقليم كردستان بتاريخ 19 ايار 1992 وتم تشكيل برلمان اقليم كردستان ضمت 105 مقاعد (5 منها للاقليات) اما الاغلبية الساحقة فقسمت بالمناصفة بين الحزبين الاتحاد الوطني و الديمقراطي الكردستانيين.

منحت رئاسة البرلمان لنامق سالم  التابع للديمقراطي الكردستاني ، بينما منحت رئاسة الحكومة لفؤاد معصوم التابع للاتحاد الوطني ليكون اول رئيس حكومة لاقليم كردستان، و بعد عام حل كوسرت رسول مكان فؤاد معصوم بالتوافق.

بعد الانتصار الذي تحقق،استمرت الدول الاقليمية و المركز بغداد فرض ظلالها و تطبيق اجنداها في الاقليم الحديث ، فبدأت الخلافات تدب بين حزبي السلطة لتشتعل شرارة الحرب الاخوية، فضلاً عن حربهما ضد حركات التحرر الكردستاني في اجزاء الوطن الاخرى.

وقرر برلمان اقليم كردستان في 4 تشرين الاول  1992 محاربة حزب العمال الكردستاني،كذلك ونتيجة اتفاق اطراف الجبهة الكردستانية و حكومة الاقليم الحديثة وقفت بوجه حراك الاحزاب السياسية في شرق كردستان داخل اراضي الاقليم، فابعد الديمقراطي الكردستاني كوملة شرق كردستان من الحدود ووضعت تحركاتها تحت المراقبة، بينما لم يرضخ العمال الكردستاني لقرار السلطات في الاقليم مما جعل العمال الكردستاني عرضة للحرب مع الحزبين (الاتحاد و الديمقراطي).

بدأ الاحتراب الداخلي

في عام 1993 بدأت الحرب بين الاتحاد الوطني والحركة الاسلامية، وانتهت بالقاء القبض على زعيم الحركة ملا عثمان.

وفي نفس العام اندلعت الحرب بين حزب الاشتراكية و الديمقراطية الكردستاني و الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبعد فترة انتهت تلك الحرب بوساطة الاتحاد الوطني الكردستاني.

في مطلع ايار 1994 بدأت الحرب بين الديمقراطي و الاتحاد الوطني في حدود منطقة رابرين،وتمددت الى معظم مناطق الاقليم، و رغم تشكيل غرفة العمليات المشتركة بين الحزبين بقيادة مسعود البارزاني و جلال الطالباني لتهدئة الوضع، لكنهما لم يتمكنا من وقف الحرب بشكل كامل.

ففي مطلع عام 1995 اشتعلت شرارة الاحتراب مرة اخرى وفرض الاتحاد الوطني سيطرته على معظم مناطق اقليم كردستان لا سيما مدينة هولير بالكامل يوم 15 كانون الثاني من 1995.

ومع اقتراب الاتحاد الوطني من مصيف صلاح الدين معقل الديمقراطي الكردستاني، اتفق الاخير مع صدام حسين فشنو هجوماً مشتركاً مدججاً باسلحة النظام العبثي على الاتحاد الوطني الكردستاني في هولير بتاريخ 31 آب 1996، بذلك استعاد الديمقراطي الكردستاني نفوذه في المدينة بدعم من النظالم البعثي، و لم تتوقف الحملة هذه في حدود هولير فحسب ، بل استمر الديمقراطي الكردستاني مدعوماً من نظم جيش صدام مطاردة الاتحاد الوطني الكردستاني وصولاً الى الحدود الايرانية.

بعد ذلك طلب الاتحاد الوطني الكردستاني دعماً من ايران ليعود الى اقليم كردستان بتاريخ 10 تشرين الاول من عام 1996، فارضاً سيطرته على مناطق نفوذه الاعتيادية و التي لازالت على حالها حتى اليوم ،مقسمة ادارياً بين الحزبين.

نهاية هذه الحروب اعلنت بين الطرفين في اتفاقية واشنطن وباشراف امريكي، تضمنت6 بنود 5 منها تتعلق بالشوؤن الادارية في الاقليم و اخرى محاربة حزب العمال الكردستاني، هذا في الوقت الذي كان قد اعلن فيه العمال الكردستاني هدنة قبل 17 يوم من تاريخ الاعلان.

بمحصلة الاتفاق كانت دهوك و هولير تخضعان لسيطرة الديمقراطي الكردستاني، بينما السليمانية للاتحاد الوطني الكردستاني، و لكل منهما حكومة محلية في مناطق سيطرتهما.

وبقي الاقليم على هذا الحال حتى عام سقوط النظام البعثي عام 2003 ليبدأ الطرفان و بدعم خارجي بتوحيد ادارتهما في اقليم موحد، لكن ملامح الادارتين لازالت ظاهرة في المؤسسات الادارية و الامنية بين مناطق نفوذهما.

شكل نظام الاقليم  واحتكاره من قبل الحزبين ازعج شرائح واسعة من المجتمع الكردستاني، فظهرت قوى تعارض نهج محاصصة السلطة ، و لعل حركة التغيير التي تأسست عام 2009 كان ابرز هذه القوى التي وبدعمها انطلق مظاهرات عام 2011 ضد الفساد والديكتاتورية و المحاصصة، الا ان السلطات ردت عليهم بالرصاص فقتل خلال تلك الاحتجاجات و منبعها في السليمانية ما لا يقل عن 10 اشخاص.

 استمر الصراع السياسي باقليم كردستان في حقبة العراق الفيدرالي، حيث تم اغلاق البرلمان الذي كان احد اهم نتائج الانتفاضة في اب 2016 بسبب منصب رئاسة الاقليم الذي اراد حزب الديمقراطي الكردستاني الاحتفاظ به لزعيمه البارزاني.

وظهر من خلال الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدن اقليم كردستان في الاعوام الاخيرة ،ان السلطات اضاعت ثمار الانتفاضة، ونسفت امال وتطلعات الشعب،و جعلت الاقليم ساحة للاحتراب الداخلي في اعقاب الانتفاضة، ثم ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين اطرافها المتنافسة من اجل السلطة على حساب انتفاضة الشعب.

و اكثر الخسائر مؤخراً التي جرحت نفوس الشعب المتنتفض ، هو خسارة الاقليم لاكثر من نصف الاراضي الكردستانية في 16 اكتوبر  2017 ، وسيطرة الجيش العراقي عليها رداً على الاستفتاء الذي اجري في اقليم كردستان في 25 ايلول 2017.

و استمرت الخلافات السياسية التي انهكت كاهل الشعب،وادخلت الاقليم في ازمات اقتصادية و سياسية  لازالت مستمرة حتى حين اعداد هذا التقرير.