هل ما يحصل في "زيني ورتي" هو امتداد لهجوم عام 1997؟

شنت تركيا عملية عسكرية قبل 23 عاماً على منطقة "زاب" في جنوبي كردستان، مدعيةً بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان قد طلب منها ذلك. لكن العملية فشلت أمام مقاومة قوات الكريلا، رغم مشاركة نحو 200 ألف جندي تركي فيها.


أعادت الأوضاع الأخيرة التي تشهدها منطقة "زيني ورتي" والتي تعرف باسم "زيني استيروكان" أيضاً، إلى الأذهان العملية العسكرية التي شنّه الاحتلال التركي على منطقة زاب سنة 1997.

ويرى مراقبون أن ما يحصل في منطقة "زيني ورتي" اليوم، هو امتداد للعملية العسكرية التي شنّها الاحتلال التركي قبل أكثر من عشرين عاماً على منطقة "زاب" في جنوبي كردستان (إقليم كردستان).

تتعرض مناطق جنوبي كردستان إلى هجمات الاحتلال التركي منذ سنة 1983 وتسعى منذ ذلك الوقت إلى احتلال مناطق جنوبي كردستان بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني، وذلك بهدف تحقيق أطماعها المحددة في "الميثاق المللي".  

العملية العسكرية "شاكوش" والتي تعني المطرقة باللغة العربية، بدأت يوم 14 أيار من سنة 1997 وبمشاركة نحو 200 ألف جندي تركي. صرحت حينها الدولة التركية بأنها تهدف إلى تصفية القواعد الأساسية لحزب العمال الكردستاني في منطقة "زاب".

تغير السلطة التركية

قبل انطلاق العملية.. سعى رئيس الوزراء التركي حينها نجم الدين أربكان إلى فتح قنوات الحوار مع حزب العمال الكردستاني عبر بعض الشخصيات، وبالفعل استقبلت منطقة "زاب" عدد من الشخصيات المثقفة حينها. وخلال تلك المرحلة قدّم نجم الدين أربكان استقالته وبشكل مفاجئ من رئاسة الوزراء التركية دون ذكر أي أسباب.

بعد الاستقالة.. أصبح مسعود يلماز رئيس الوزراء الجديد في تركيا. اعتبر كثيرون هذه الواقعة بمثابة "انقلاب خفي" من قبل ما يسمى بـ "الدولة العميقة" في تركيا.

بعد استلام يلماز رئاسة الوزراء.. بدء وضع مخطط العملية العسكرية، وقبل انطلاق العملية البرية يوم 14 أيار، شنت المقاتلات الحربية التركية أعنف الغارات الجوية على منطقة "زاب" والمناطق المحيطة بها منذ بداية الشتاء.

تركيا: جئنا بناءً على طلب الحزب الديمقراطي

أشارت العديد من الأخبار الواردة والتي استندت إلى الجيش التركي إلى تقديم الحزب الديمقراطي الكردستاني طلباً لتركيا، من أجل إطلاق هجوم ضد تواجد حزب العمال الكردستاني على أراضي جنوبي كردستان. ولوحظ بعد انطلاق العملية مشاركة قوات البيشمركة فيها إلى جانب القوات التركية.

تحدث أحد الشهود على تلك المرحلة، مفضلاً عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، وأشار إلى أن جميع الأطراف المحيطة كانت بانتظار هجوم كبير، وهو ما دفع حزب العمال الكردستاني لتوقع ذلك وإجراء التحضيرات اللازمة.

مجزرة هولير..

بحسب الشاهد ذاته.. كانت هناك علاقات وتواصل بين حزب العمال الكردستاني مع الأحزاب الأخرى مثل الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، لذلك لم يكن حزب العمال الكردستاني على دراية بمشاركة الديمقراطي الكردستاني في الهجوم حتى لحظة انطلاقه. مع بدء الهجمات، أبلغ بعض المسؤولين في الحزب الديمقراطي الكردستاني عن إرسالهم من 5 – 6 ناقلات لوجستية إلى المنطقة، وطلبوا من مقاتلي حزب العمال الكردستاني القدوم لاستلامها، وعند ذهاب المقاتلين من أجل استلام الأرزاق التموينية جرى استهدافهم عبر المقاتلات الحربية التركية مما أدى لاستشهادهم.

استمر التواصل بين حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني حتى بعد بدء الهجوم، وتنكشف اللعبة، عندما يتوجه عدد من مسؤولي العلاقات الخارجية في حزب العمال الكردستاني إلى محافظة دهوك من أجل عقد لقاء مع مسؤولين من الحزب الديمقراطي الكردستاني. حيث يتعرض مسؤولو العلاقات إلى الاختطاف إلا أنه عدداً منهم يفهم الخطة ويتمكن من الفرار فيما يستشهد أعضاء لجنة العلاقات الخارجية، كل من محمود أفوراف وهوزان أوزسوكمانلار  في هذه المؤامرة.

يوم 16 أيار.. أي بعد يومين على بدء العملية التركية، تشن قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني هجوماً على إحدى المشافي التي يتواجد فيها جرحى من حزب العمال الكردستاني في مدينة هولير، وترتكب هذه القوات مجزرة شنيعة بحق جرحى حزب العمال الكردستاني والوطنيين الكرد الذين وصل عددهم إلى 80 شهيداً.

200  ألف جندي..!

أوضح الشاهد ذاته، أن عملية الاحتلال بدأت من محورين على منطقة "زاب"، المحور الأول كان من الطرف الشمالي، وبالتحديد انطلاقاً من منطقة "دشتان"، والمحور الثاني كان من طرف منطقة بامرني التابعة لمدينة آميديا (العمادية) وكان تشارك فيها العشرات من الدبابات بالإضافة إلى قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني.

وبحسب ما تناقلته المصادر التركية، فإن قوات البيشمركة شاركت في العملية تحت إمرة قيادة الجيش الثاني لتركيا والتي مركزها مدينة مالاتي في شمالي كردستان. كما أفصحت تلك المصادر عن مشاركة أكثر من 200 ألف جندي تركي، ومن قوات البيشمركة بالإضافة إلى المرتزقة. وقد أظهرت بعض اللقطات الاخبارية للقنوات التلفزيونية التركية مشاهد لرجال يلبسون قوات البيشمركة قالت عنهم تلك القنوات أنهم القوات الخاصة التركية ترتدي لباس البيشمركة في العملية."

مقاومة الكريلا...

أبدى مقاتلو الكريلا في حزب العمال الكردستاني مقاومة كبيرة وتمكنوا من توجيه ضربات قوية للجيش التركي. وقد أدعت بعض المصادر في الجيش التركي مقتل 3 ضباط من الرتب الكبيرة، بالإضافة إلى 13 ضابطاً آخراً و62 جندياً تركيا و21 من المرتزقة، بالإضافة إلى وقوع عشرات الإصابات في صفوف الجنود الأتراك والبيشمركة.

وتمكن مقاتلو الكريلا من الاستيلاء على قاعدة بامرني التركية العسكرية يوم 14 تموز، والسيطرة عليها لمدة شهرين قبل تسليمها لقوات الحزب الديمقراطي الكردستاني، التي عادت لتسليمها إلى الاحتلال التركي فيما بعد.

وفي حصيلة هذه المقاومة، تمكن مقاتلو الكريلا وكان يطلق عليهم حينها "جيش تحرير كردستان" من إسقاط مروحيتين عسكريتين تركيتين، وتبين لاحقاً يوم 4 حزيران من العام ذاته، أن المروحية العسكرية من نوع "جوغار" كانت تحمل قادة أتراك برتبة الجنرال يقومون بقيادة العملية العسكرية، فيما أعلن حزب العمال الكردستاني أن المروحية جرى إسقاطها من قبل المقاتل فرهاد ديرسم.

بعد مقتل الجنرالات، اضطر جيش الاحتلال التركي إلى سحب قواته من منطقة "زاب" بعد مرور نحو 20 يوماً على انطلاق العملية العسكرية. ليقوم بعدها بتحويل خط هجومه إلى مناطق آفاشين وباس، لكنه فشل في اقتحامها بعد معارك استمرت لأكثر من شهرين، مما دفع الاحتلال التركي للانسحاب من المنطقة بالكامل.

وفي سياق ذلك، أعلن حزب العمال الكردستاني وعبر منابره الإعلامية، عن استشهاد 20 مقاتلاً من الكريلا في الهجوم التركي، إلا أن الدولة التركية أدعت قتلها لـ 3 آلاف من مقاتلي الكريلا وذلك بهدف التغطية على خسائرها.

تصريحات القائد أوجلان

أدلى قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان بتصريحات خلال حوار لصحيفة النهار اللبنانية حول هذه العملية في ذلك وقت، وقامت صحيفة "سرخبون" حينها بترجمة هذا الحوار إلى اللغة التركية العام ذاته. ولفت قائد الشعب الكردي آنذاك إلى أن هجمات الاحتلال التركي لم تستهدف حزب العمال الكردستاني فقط، وقال مضيفاً: "لا أعتقد أن هجوم الاحتلال التركي متعلق بالقضية الكردية، إنما هذا الهجوم لها أبعاد إقليمية وحتى دولية."

كما تطرق القائد أوجلان إلى موقف العراق حينها من هجوم الاحتلال التركي قائلاً: "العراق ضد الهجوم، لكن العراق لا يملك القوة للوقوف ضد هذا الهجوم بشكل عملي."

كما أشار القائد أوجلان إلى دور حزب الديمقراطي الكردستاني في هجوم 14 أيار قائلاً: "يبغون تحويل الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى القوة المهيمنة الأولى على المنطقة. وبحسب المعلومات التي تحصلنا عليها، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني سيسطر على المنطقة بالكامل بعد إفراغها من حزب العمال الكردستاني."

كما لفت أجلان خلال الحوار إلى استخدام الحزب الديمقراطي الكردستاني كورقة من قبل العراق وتركيا، وقال مردفاً: "النظامان التركي والعراقي يستخدمان الحزب الديمقراطي كورقة، والمثال على ذلك ما حصل في هولير. يريدون الآن تنفيذ نفس الشيء عبر تركيا كما فعلوا في السابق عبر العراق."

"مخطط ضد المنطقة"

عرّف القائد أوجلان هجوم 14 أيار كجزء من مخطط على المنطقة، ويقول إن "العمليات تتم وفق اتفاق استراتيجي بين إسرائيل وتركيا، إلا أن أمريكا تقدم الدعم أيضاً للاحتلال. هذا ليس اتفاق عسكري ضيق، هناك مخطط مشترك يتم وضعه على المنطقة. هناك مساعي لتقليل تأثير أوروبا وحتى روسيا واليابان، ووضع كامل المنطقة تحت السيطرة الأمريكية عبر كل من تركيا وإسرائيل، وهم يضعون ثقلهم بشكل كبير في هذه الاستراتيجية خلال السنتين الأخيرتين. الوضع السياسي الداخلي في تركيا، وإفلاسها الاقتصادي دفعها لاختيار الحل العسكري، والحاجة إلى إسرائيل وأمريكا. مصالح أمريكا واسرائيل في المنطقة هي المياه والبترول. ولا اعتقد أن الاتفاق الثلاثي هذا هو ضد حزب العمال الكردستاني فقط. أظن أن هذا الهجوم هو في البداية يستهدف النظام العراقي، أو إرغام هذه النظام على الدخول في اتفاق قاموا هم برسم إطاره، أو إزالة هذا النظام بالكامل. وكهدف مستعجل لذلك، هو إيجاد عراق تحت سيطرتهم الكاملة، وإذا ما حصل ذلك، ستكون إيران في خطر كبير، وقد يأتي الدور عليها فيما بعد. السيطرة على العراق سيعني وضع العالم العربي تحت حصار جديد. هذه العمليات ستؤثر على المنطقة وحتى الساحة الدولية بالكامل. سيقومون بتأسيس كيان كردي تحت سيطرتهم ليؤثروا به على جميع المكونات الأخرى في المنطقة."

نداء وتحذير

أطلق قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان، تحذيرات ومناشدات حينها أيضاً، وقال فيها: "يجب ألا يخدع أحد نفسه ويقول بأن العملية ستنتهي عندما يتم القضاء على حزب العمال الكردستاني. إنما ستظهر أهدافهم السياسية خطوة بعد خطوة في المنطقة، وتؤثر عليها. ستكون هناك خطوات لحصار العالم العربي من جهة وإيران من جهة أخرى، وسيكون لذلك تأثيرات حتى أذربيجان وقفقاسيا وآسيا الوسطى، حتى أنها ستؤثر على البلقان أيضاً. ما نستنتجه من كل هذا، أنه ضد هذا الهجوم الغير شرعي وغير متوازن القوى، تفرض المصالح المشتركة بين الكرد والقوى الوطنية وشعوب ودول المنطقة إلى التماسك والتكاتف.

الهجمات مستمرة

خلال العام ذاته، بدأ الاحتلال التركي هجوماً آخر تحت اسم عملية "الشفق"، وتمكنت قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني وبدعم الدولة التركية من السيطرة على مناطق سوران وديانا وقسري وجومان التي كانت تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني.

تتواصل هجمات الدولة التركية دون انقطاع حتى يومنا الراهن، وخلال السنوات الأخيرة، استخدم الاحتلال التركي كافة التقنيات في هجماته على مناطق جنوبي كردستان، وتوغل إلى عمق 30 كيلومتراً وقام بتأسيس قواعد عسكرية.

يلفت العديد من المحللين السياسيين والمؤرخين إلى أن الدولة التركية لا تستهدف فقط حزب العمال الكردستاني، إنما تستهدف كافة أراضي جنوبي كردستان، وذلك بهدف تحقيق أطماعهم الواردة في "الميثاق المللي". وأكدت تصريحات عديدة لرأس النظام التركي الحالي رجب طيب أردوغان، أنه يطمحون إلى السيطرة على الشريط الواصل من حلب في سوريا إلى السليمانية في العراق. حيث تدعي تركيا أن هذه الأراضي عائدة لهم.

وقد أثار حشد الحزب الديمقراطي الكردستاني لقواته في منطقة "زيني ورتي" التي توجد فيها أيضاً قوات تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني، استياءً كبيراً لدى الرأي العام الكردي. وقد أوضح العديد من المراقبين أن ما يحصل في "ورتي" هو جزء من مخطط احتلالي تركي. ناهيك شن الطائرات التركية لغارة على المنطقة أدت إلى استشهاد 3 من مقاتلي الكريلا يوم 15 نيسان بعد أن تمركزت قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني في المنطقة.

غداً: حديث رئيس قسم التاريخ في جامعة السليمانية ماجد خليل حول الموضوع..