كركوك و شعبها ضحية حرب السلطات

لا تزال كركوك تنتظر حل دائم يرضي جميع الأطراف بعد مضي أكثر من عام على أحداث 16 تشرين الأول. وعلى العكس ازدادت الهجمات ضد كركوك خلال سنة، كما لا تزال ألاعيب القوى السياسية والدول المحتلة مستمرة مثل الدولة التركية التي تريد تعزيز نفوذها ضمن المحافظة مستغلة الفراغ. وأيضاً لا تزال كركوك تدار من قبل شخص تم تعيينه من السلطات العراقية من دون انتخاب ولا يزال الكرد منقسمون حول تعيين محافظاً كركوك، وتحاول تركيا استغلال هذا الوضع لتعيين شخص مقرب منها.


بعد إجراء الاستفتاء يوم 25 أيلول خرجت كركوك عن السيطرة الكردية يوم 16 تشرين الأول، وحولت الحرب بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية، وألاعيب الدول المحتلة لكردستان إلى جانب عودة تحركات داعش ، حولت كركوك إلى ميدان أزمة معقدة.

وسيطر الجيش العراقي ومعه الحشد الشعبي على باقي المناطق المتنازع عليها يوم 16 تشرين الأول. وسبب كل ذلك هو الانقسام الحاصل بين القوى الكردية والتي تستند إلى قوى خارجية في سبيل تحقيق مآربها. مضى عام ولم يطرح حتى الآن أي مشروع جاد من أجل حل مشكلة كركوك، علماً أن هذه المدينة تعاني منذ القدم من المتاجرة بها والحروب.

أهمية كركوك للمنطقة والكرد

كركوك هي إحدى أقدم المدن في كردستان والشرق الأوسط. تملك هذه المدينة تاريخ قديم يعود لما قبل 5 آلاف عام. يسكن هذه المنطقة مزيج من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين ومنذ القدم بشكل سلمي فيما بينهم. وقد حاول كل من احتل هذه المدينة على خلق الفتن بين أبنائه في سبيل تحقيق مطامعه وفرض سلطاته، وكثيراً ما أدى هذا الأسلوب إلى انهيار أمن واستقرار المدينة. 

كركوك مدينة النفط، أو كما تعرف عالمياً بمركز النفط، ولطالما حصلت أكبر الحروب هنا حيث استفادت السلطات من هذا غنى دائماً ولم يستفد الشعب يوماً. وبدلاً من أن تكون كركوك مثالاً لغناها، على عكس ذلك أصبحت مركزاً للحرب الاقتصادية والألاعيب السياسية.

بدأ استخراج النفط في هذه المدينة سنة 1927، حيث تملك المدينة 4 آبار حقول كبيرة لاستخراج البترول الخام، وهي حقول "بابا غرغر، زمبور، باي حسن، هافانا".

كركوك هي رابع أكبر محافظة في العراق وبحسب الإحصاءات الرسمية التي صدرت سنة 2014 بلغ عدد سكان كركوك 900 ألف نسمة، أغلبهم من المكون الكردي. تنقسم المدينة إلى 40 حي. وترتبط بها أقضية داقوق ودوبز والحويجة، إلى جانب 16 ناحية و500 قرية، ويقطن في هذه البلدات والنواحي والقرى مختلف المكان بشكل مشترك.

بعد انهيار نظام البعث، ظلت كركوك مرتبطة بالعراق من الناحية الإدارية، وجميع المؤسسات الحكومية كانت مرتبطة بالمركز عدا عن مؤسسة التعليم الكردي، ولكن بما أن الكرد كانوا الأكثر قوة فكانت إدارة الأمن ومنصبي المحافظ ورئاسة المجلس من نصيب الكرد.

قوة الكرد في المؤسسات الحكومية بكركوك لم تقدر على إنهاء الصراع والأزمة في المنطقة. وشهدت كركوك كما المناطق الأخرى بعد انهيار نظام البعث، هجمات وتفجيرات بشكل مستمر. ورغم ذلك لم تظهر أية خلافات بين مكونات المدينة حتى قبل أحداث 16 تشرين الأول 2017.

هجمات داعش على كركوك وآلية حمايتها

منذ بداية سنة 2014 تعرضت كركوك وجميع المناطق المتنازع عليها ومن ضمنها الموصل لهجوم من قبل مرتزقة داعش. وبسبب عدم تمكن الجيش العراقي من حماية مركز قضاء الحويجة التابعة لكركوك سيطرت عليها مرتزقة داعش خلال وقت قصير. وإلى جانب ذلك سيطرتها على نواحي زاب ورياز ورشاد وعباسي التابعات لقضاء الحويجة. بعد ذلك بدأ المرتزقة بتهديداتها للسيطرة على كركوك، على إثر هذه التهديدات بدأت قوات البيشمركة برفع السواتر في الجهة الجنوبي والغربي لمدينة كركوك. فيما أرسلت قوات الدفاع الشعبي الكردستاني ووحدات المرأة الحرة لمقاتلي ومقاتلات الكريلا ونجحوا في الدفاع عن المدينة مع قوات البيشمركة ودحر هجمات مرتزقة داعش.

قرار الاستفتاء

قرر إقليم كردستان بإصرار من الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK وصمت الأحزاب الأخرى إجراء استفتاء للاستقلال عن العراق سنة 2017. لفتت هذه الخطوة أنظار جميع دول المنطقة والعالم. فيما بعثت الحكومة العراقية بتهديدات شديدة إلى حكومة إقليم كردستان. ورغم أن إصرار الديمقراطي الكردستاني لم يلقى دعماً دولياً أو إقليمياً إلا أن رئيس الحزب مسعود البرزاني تابع خطاه وأجري الاستفتاء يوم 25 أيلول من سنة 2017.

أدى موضوع إجراء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها إلى انقسام في صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني YNK بين مؤيد ومعارض. وعدا عن محافظ كركوك نجم الدين كريم، حذّر الاتحاد الوطني الكردستاني من تدهور الوضع وخسارة كركوك.

وفي تلك الأثناء صرّح نائب مسؤول المركز الثاني للاتحاد الوطني  الكردستاني روند ملا محمود أثناء اجتماع الأحزاب الكردية في كركوك قائلاً "تملك الاستخبارات التركية (الميت) مخططات تهدف إلى تخريب الوضع في كركوك، ويجب ألا يتم إجراء الاستفتاء فيها".

إجراء الاستفتاء في كركوك

بعد الاستفتاء، تعقد الوضع في كركوك ودب الخوف فيها. إلا أن قيادات البيشمركة أكدت بأن الهجمات لن تحصل على كركوك. واجتمعت قيادات البيشمركة مع قيادات الجيش العراقي قرب قرية مكتب خالد جنوبي كركوك يوم 14 تشرين الأول. بعد يومين، في ليلة 16 تشرين الأول بدأ الجيش العراقي ومعه قوات الشعبي بالتحرك من جهة قرية بشير الواقعة على حدود ناحية تازه، والتوجه نحو كركوك.

واجهت قوات البيشمركة الجنود العراقيين والحشد الشعبي في بعض المناطق، واستشهد في هذه الأحداث أكثر من 50 مقاتلاً من البيشمركة. كما شاركت  مجموعة من قوات الكريلا مع عدد من أبناء المدينة في القتال، إلا أنها اضطرت لأن تنسحب فيما بعد، بسبب قلة عددهم، وانسحاب قوات البيشمركة من كامل المنطقة. وفي اليوم نفسه، قتلت الجبهة التركمانية أحد كوادر حزب العمال الكردستاني ويدعى هوكر باران في قضاء داقوق.

ومع ساعات الصباح الباكر يوم 16 تشرين الأول، سيطر الجيش العراقي ومعه قوات الحشد الشعبي بالكامل على كركوك. واضطر السكان الكرد إلى ترك المدينة خوفاً على حياتهم، حيث نزح أكثر من 200 ألف شخص من المدينة. وبعد يومين عاد قسم من النازحين إلى ديارهم، ولا تزال أكثر من 500 عائلة خارج كركوك.

بعد 16 تشرين الأول، وقعت الأقضية والنواحي الأخرى التابعة لمحافظة كركوك تحت سيطرة الجيش العراقي والحشد الشعبي ما عدا ناحية قره حنجير.

بعد 16 تشرين الأول

بعد هذه الأحداث، ترك كل من محافظ كركوك آنذاك نجم الدين كريم، ورئيس مجلس المحافظة ريبوار طالباني المدينة. وقام على إثره رئيس الوزراء العراقي حينها حيدر العبادي بتوكيل راكان جبوري للقيام بأعمال المحافظ في كركوك.

محافظ كركوك الموكل راكان الجبوري بدأ بحملة لاحتلال الأراضي التي يملكها الكرد في محيط كركوك، بمساعدة من القوى الأمنية. كما طرد العديد من الموظفين والمدراء الكرد من وظائفهم الحكومية. ليفقد بذلك الكرد جميع المناصب العليا التي كانت بيدهم في هذه المدينة.

 تأثير 16 تشرين الأول على التعلم بالكردية

بعد مضي نحو عام من هذه الأحداث، تزايد وضع التعليم باللغة الكردية سوءاً يوماً بعد يوم. حيث لم ترسل الحكومة الفدرالية المساعدات لإدارة المدارس الكردية في كركوك. وبسبب هذه الإهمال يطالب معلمو المدارس الكردية بربطهم بالحكومة الفدرالية. فيما يحاول الطلاب الكرد ترك المدارس الكردية والتواجه إلى للدراسة في الجامعات العراقية.

الهجمات تزداد...

أمن كركوك في خطر كبير، حيث تعيش المدينة كل يوم أحداث قتل وهجمات وتفجيرات، كما تزايدت تحركات مرتزقة داعش بشكل ملحوظ، حيث تستفيد من الفراغ الأمني الموجود في المدينة. وبشكل خاص في داقوق حيث يتعرض الكاكائيون إلى تهديدات جدية، مما دفعهم لترك منازلهم وقراهم.

كما شهد قضاء خانقين أيضاً تحركات ملحوظة لمرتزقة داعش، دفعت الجيش العراقي لبدء حملة تمشيط في المنطقة.

وأسست الدولة التركية مجموعة مؤلفة من 500 مسلح تحت مسمى الجبهة التركمانية بذريعة حماية التركمان، حيث تحاول تركيا عبر ورقة التركمان الاستفادة من الفراغ السياسي ورسم موضع قدم لها في هذه المدينة. ويرى السياسيون الكرد في محاولات الأتراك وألاعيبهم محاولة احتلال، ويحذرون منها.

نقاط جمركية بين كركوك والمدن الأخرى

وضعت الحكومة العراقية نقاط  جمركية في الآونة الأخيرة بين كركوك والمناطق الأخرى من إقليم كردستان. أثرت هذه الخطوة بشكل سلبي على اقتصاد المدينة، وأدت إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق.

كما لم تتوصل حكومة إقليم كردستان والحكومة الفدرالية إلى أي اتفاق بشأن حقول النفط في كركوك، والتي سيطر عليها الجيش العراقي. لذلك لا يحصل أبناء كركوك على حصتهم من الإيرادات القادمة من النفط.

الأزمة الإدارية للمحافظة

لم تتوضح بعد المعالم الإدارية للمحافظة، وهي تدار إلى الآن من قبل المحافظة الموكل راكان الجبوري. ولم يجتمع مجلس المدينة بعد أحداث 16 تشرين الأول إلا في الآونة الأخيرة، حيث عقدت اجتماعين تشاوريين. فيما يتواجد رئيس المجلس ريبوار طالباني في هولير، ولا ينوي العودة لكركوك إلا بتحقيق مطالبهم.

يتوجب على أبناء كركوك تقسيم الوظائف والمهام مرة أخرى، وعلى رأسها مهام المحافظ. ويصر الكرد في هذا الإطار على تسنم منصب المحافظ، ويرى الاتحاد الوطني الكردستاني هذا المنصب من حقه. ورغم أن حزب الديمقراطي الكردستاني لم يشارك في الانتخابات بالمحافظة ولم يقدم أية مرشحين أو مسؤولين، إلا أنه أبلغ عن نيته بتقديم مشرح من طرفه لمنصب المحافظ. ويتكرر هنا مشهد الانقسام الكردي على منصب رئاسة الجمهورية العراقية، مما يزيد المخاوف من احتمال فقدان الكرد لهذا المنصب في حال ظلوا على انقسام. حيث أن باقي الأحزاب الكردية في جنوب كردستان، فهي الأخرى لا تملك مواقف مشتركة للحل.

ومنذ عدة أيام حول بدأ الجميع ينظر بترقب إلى موضوع من سيفوز بمنصب المحافظ والمهام والوظائف الإدارية الأخرى في كركوك.