الثورات الكردية من الشيخ سعيد إلى عبدالله أوجلان

تعرض الكرد للعديد من الهجمات والمؤامرات، وفشلت الكثير من الانتفاضات الكردية بعد أن قضى أعداء الشعب الكردي على قادات هذه الانتفاضات، إلا أن قائد حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان هو الوحيد الذي قلب هذه المعادلة، فالثورة التي بدأها لا تزال مستمرة بكامل قوتها، رغم أنه مأسور منذ أكثر من 20 عاماً في معتقل إيمرالي في تركيا.


خلال هذه التقرير سنستعرض لكم عدداً من أبرز الثورات الكردية التي قادها عدد من أشهر الشخصيات المعروفة على مستوى التاريخ الكردي، كيف بدأت وماذا صنعت وإلى ماذا آلت في النهاية.؟ 

الشيخ سعيد بيران

قاد الشيخ سعيد بيران انتفاضة كردية ضد دولة الاحتلال التركي سنة 1925، وطوقت قوات الشيخ سعيد مدينة آمد عدة أشهر حينها بهدف تحريرها، إلا أن القوات التركية استطاعت أن تطوق الشيخ سعيد وعدد من رفاقه ورؤساء العشائر بعد تعرض الشيخ سعيد لخيانة أحد أقربائه الذي يدعى سردار قاسم والملقب حينها بـ "قاسو".

أسرت القوات التركية الشيخ سعيد ورفاقه وبدأت بمحاكمته يوم 10 أيار سنة 1925 في مدينة آمد، وصدر حكم الإعدام بحقهم يوم 28 حزيران من العام نفسه، وبعد يوم واحد نفذت الدولة التركية حكم الإعدام بحق شيخ سعيد ورفاقه عن باب الجبل بمدينة آمد. 

قاضي محمد

قاد القاضي محمد الثورة الكردية في شرقي كردستان، والإعلان عن أول جمهورية كوردستانية في مدينة مهاباد، إلا أن هذه الجمهورية لم تدم إلا 11 شهراً وسقطت بفعل الخيانة الداخلية أيضاً.

السبب الرئيسي لانهيار جمهورية مهاباد هو انقلاب رؤساء العشائر على القاضي محمد بعد أن دعموه في البداية، ويشير الكاتب إبراهيم أحمد في كتابه بعنوان "محكمة التاريخ" إلى عدد من رؤساء العشائر الكردية الذين وقفوا بجانب النظام الإيراني.

في سياق هذه التطورات، شن الجيش الإيراني هجوماً على مدينة مهاباد يوم 17 كانون الأول سنة 1946 ووصلت إلى مركز المدينة. وفي غضون هذا الهجوم فرّ عدد من رؤساء العشائر إلا أن القاضي محمد ورفاقه قاموا حتى النهاية. فيما تشير بعض المصادر إلى أن القاضي محمد سلّم نفسه لتفادي ارتكاب القوات الإيرانية أية مجازر بحق سكان المدينة. في النهاية أعدمت القوات الإيرانية قاضي محمد ورفاقه يوم 31 آذار سنة 1947 في ميدان جارجرا وسط بمدينة مهاباد. 

سيد رضا

بعد قمع انتفاضة الشيخ سعيد بيران انطلقت انتفاضة السيد رضا سنة 1937 من منطقة ديرسم في شمالي كردستان ضد الاحتلال التركي، ويدعو الرئيس التركي أتاتورك في تلك الأثناء سيد رضا بالقدوم إلى مدينة أرزينجان من أجل عقد اتفاقية، إلا أن السيد رضا يتعرض للأسر على الطريق يوم 5 أيلول من عام الانتفاضة، وتنقله القوات التركية الغادرة إلى مدينة ألعزيز، ويجري إعدامه برفقة 6 من رفاقه يوم 15 تشرين الأول من قبل النظام التركي. 

شيخ عبدالسلام البرزاني

خلّف الشيخ عبدالسلام البرزاني قيادة ومشيخة الطريقة النقشبندية عن والده الشيخ محمد سنة 1903، وجمع عدد من رؤساء العشائر ومشايخ الطريقة القادرية وعدد من الجمعيات والتنظيمات الكردية آنذاك للاتفاق حول عدة نقاط ومطالب لضمان حقوق الشعب الكردي التي كانت قد سلبتها الدولة العثمانية آنذاك.

يقوم السلطان عبدالحميد بإرسال آلاف الجنود العثمانيين إلى منطقة برزان سنة 1907 لمحاربة الشيخ عبدالسلام، حيث وصف المطالب التي قدمها بمحاولة للانفصال عن الدولة العثمانية.

قاوم الشيخ عبدالسلام لوحده الجنود العثمانيين، دون يتجرأ الآخرون على مشاركته هذه المقاومة، وبعد عام من المقاومة اضطر الشيخ عبدالسلام أن ينسحب من منطقة برزان ويسلمها للعثمانيين، الذين أحرقوها عن بكرة أبيها.

عاد الشيخ عبدالسلام مرة أخرى إلى برزان سنة 1908 واستطاع أن يجمع قواته مرة أخرى، وهام القوات العثمانية حتى طردها من برزان، مما دفع بالسلطان العثماني إلى عقد اتفاق للسلام معه.

استمرت اتفاقية السلام حتى سنة 1913 لتقوم الدولة العثمانية بإرسال قوة كبيرة إلى برزان مما اضطر بالشيخ عبدالسلام إلى الاستسلام دون قتال بسبب حجم القوات العثمانية، ليحمل نفسه نحو شرقي كردستان.

عرضت الدول العثمانية مكافأة كبيرة لمن يقبض على الشيخ عبدالسلام أو يقتله، ليقوم أحد الآغاوات في شرقي كردستان ويدعى صوفي عبدالله بدعوة الشيخ عبدالسلام إلى منزله، وهناك قام بخيانته وتسليمه للدولة العثمانية.

اقتيد الشيخ عبدالسلام إلى الموصل مع 3 من رفاقه، وأعدم يوم 14 كانون الأول سنة 1914. 

الشيخ محمد الحفيد

بعد أن اغتيل الشيخ سعيد وشقيقه الشيخ محمد في مدينة الموصل على يد الدولة العثمانية سنة 1908، بدأ الشيخ محمود البرزنجي (الحفيد) نجل الشيخ سعيد بقيادة شؤون الأسرة الدينية، ليتولى بعدها قيادة شؤون مدينة السليمانية سنة 1918.

بعد بناء حكومته في السليمانية، يدعو الشيخ سعيد جميع رؤساء العشائر إلى الوقوف بجانبه للوقوف في ووجه بريطانيا، لكن دعواته لم تلقى أية استجابة.

بعد أن فشلت حكومته، يتعرض الشيخ محمود إلى نفي ويعود يوم 28 كانون الثاني سنة 1922 من الهند إلى الكويت، وفي الـ 13 من أيلول ينتقل من الكويت إلى بغداد، ليعود مرة أخرى إلى السليمانية يوم 30 أيلول من العام ذاته، وبعد يوم واحد فقط من وصوله، أعلن الشيخ محمود البرزنجي عن "حكومة كردستان" ونصب نفسه ملك على هذه الدولة.

أعلنت بريطانيا الحرب ضد الشيخ محمود الحفيد وتمكنت من انتزاع السيطرة على الدولة الكردية والدخول إلى مدينة السليمانية يوم 16 أيار من سنة 1923 ميلادية.

اجبرت المقاومة الكردية على تراجع القوات الإنكليزية إلى مدينة كركوك، وعاد الشيخ محمود حفيد للدخول إلى السليمانية سنة 1924 وأصدر عفواً عن جميع الكرد الذين وقفوا بجانب الإنكليز وسمح لكل من يشعر بالندم بالعودة إلى السليمانية.

تعرضت الدولة الكردية التي يقودها البرزنجي إلى هجوم ثلاثي إنكليزي عراقي إيراني سنة 1926 مما دفع بالشيخ محمود الحفيد إلى البدء بالنشاط الدبلوماسي وإجراءات محادثات مع الإنكليز استمرت حتى سنة 1931 لكنها فشلت وانتهت المقاومة يوم 13 أيار سنة 1932. توفي الشيخ محمود سنة 1956 في إحدى بغداد ووري جثمانه الثرى في جامع غوره في السليمانية بجانب ضريح جده الشيخ كاكه أحمدي شيخ. 

عبدالله أوجلان

أسس عبدالله أوجلان يوم 27 تشرين الثاني من سنة 1978 حزب العمال الكردستاني في مدينة آمد، وساهمت هذه الخطوة في إعادة بث الروح في المجتمع الكردي منذ قمع انتفاضتي الشيخ سعيد والسيد رضا.

أنطلق الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني ضد الدولة التركية يوم 15 آب من سنة 1984، ورغم إطلاق الحزب لعملياته العسكرية، لم يتوقف عن السعي لإيجاد حل للقضية الكردية بالطرق السلمية.

بدأت تتكشف خيوط المؤامرة ضد القائد عبدالله أوجلان يوم 9 تشرين الأول من سنة 1998 حيث اضطر أوجلان للخروج من الشرق الأوسط، وبحلول يوم 15 شباط سنة 1999 تعرض أوجلان للأسر في السفارة اليونانية بالعاصمة الكينية نيروبي، وجرى تسليمه إلى تركيا التي أودعته في معتقل إيمرالي.

ورغم أن أوجلان مأسور إلى الآن في سجن إيمرالي، إلى أن الثورة التي بدأها لا تزال مستمرة وبكل قوتها، على عكس جميع الثورات الكردية السابقة التي كانت تنتهي بمجرد أسر أو إعدام قاداتها.