كورونا والنظام الرأسمالي.. من ماذا حذّرنا أوجلان قبل عقدين؟

كثرت النقاشات في الآونة الأخيرة حول انتشار فيروس كورونا وارتباطه بما يقترفه النظام الرأسمالي من ممارسات شنيعة بحقّ الطبيعة بهدف تحقيق الربح الأعظمي، وهو ما أشار إليه المفكر الكردي عبدالله أوجلان قبل سنين عدّة، وحذّر منه مراراً وتكراراً.


مركز الأخبار / ROJNEWS

ويجري الاعتقاد بأن ظهور فيروس كورونا –الذي يفتك بكبار السن- مرتبط برغبة الأنظمة الرأسمالية التخلص من كبار السن، لما يشكله هؤلاء من عبأ مالي عليهم من جهة، بالإضافة إلى أن هؤلاء يشكلون عائقاً أمام انتشار الفكر الليبرالي الرأسمالي، وأن ذلك سيتيح لهذه الأنظمة الاستفراد بالأجيال الجديدة. 

وأخص أوجلان حديثه عن الطبيعة والأزمة الأيكولوجية وما اسماه بـ "الصناعوية" بالإضافة إلى المدنية (التضخم السكاني)، والآثار السلبية المترتبة على المجتمعات البشرية جراء تعاملها "غير الصحيح" بحسب تعبيره، مع هذه المسارات الثلاثة.

وتسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) والذي بدأ ظهوره نهاية 2019 من الصين، بعودة الجدل والنقاش حول نظام الدولة والسلطة الرأسمالية، خصوصاً أن هذا الفيروس لا يزال يحصد آلاف الأرواح يومياً حول العالم.

و يجد الكثير من نشطاء حماية البيئة وخبراء المناخ ارتباطاً وثيقاً بين كثرة الكوارث الطبيعية وجشع القوى الرأسمالية حول العالم، ويعتبرون أن أي زيادة في نشاط هذه القوى يتناسب طرداً مع عدد وأشكال الكوارث تلك، وبكلمة أخرى فإنهم يعتبرون النظام الرأسمالي العالمي هو من يقف وراء انتشار فيروس كورونا.

ومن جهة أخرى، يعتقد البعض أن الوقت قد حان لحصول تغييرات كبيرة في العالم، وأن بعض الأنظمة ستهتز أركانها بفعل الوعي الديمقراطي الاجتماعي والحرّ.

وقد طرح المفكر الكردي المحتجز في سجن جزيرة إيمرالي في تركيا عبدلله أوجلان، حلول كثيرة فيما يتعلق بموضوع حماية البيئة والمناخ، حيث قام بسبر أغوار مصطلحات ومفاهيم الطبيعة والصناعة والمدنية والحركات الأيكولوجية والديمقراطية المناهضة للنظام الرأسمالي، ودوّن ملاحظاته حول هذه المفاهيم والمصطلحات بمرافعاته في أقسام خاصة.

المشكلة الأيكولوجية والحل

ينتقد أوجلان في بادئ الأمر النظام الرأسمالي من جهة، والمجتمع الذي انقطع عن طبيعته من جهة أخرى، ويقدّم من خلال هذا الانتقاد الحل الأمثل لهذه المشكلة.

يربط أوجلان سبب انهيار التوازن في الطبيعة وحصول الكوارث بالأنظمة الرأسمالية التي تستند على تحقيق الربح الأعظمي، ويقدّم تحذيرات جدية في هذا المسار خلال تدوين أطروحاته بهذا الخصوص، حيث يدعو المجتمع للعودة إلى طبيعته الأساسية، كما يدعو النظام الرأسمالي للتخلي عن مبدأ الربح الأعظمي، وإلا سينجرف العالم نحو كوارث لا يحمد عقباها.

 "الإنسان الجزء الأكثر تطوراً في الطبيعة"

يعرّف أوجلان العلاقة بين المجتمع المشاعي والطبيعة كعلاقة الأم مع أولادها، حيث يشير إلى أن الفرد في المجتمع المشاعي كان يرى الطبيعة حيّة ويقدسها ويتعامل معها على أساس أن يحترمها لا أن يسيء لها، ويعتبر أوجلان أن الإنسان في جوهره يشكل الجزء الأكثر تطوراً من الطبيعة.

ويؤكد أوجلان أن جميع أجزاء الطبيعة مرتبطة ببعضها البعض، وتشكل فيما بينها توازناً ديناميكياً ويصفها بالسلسلة المترابطة والوثيقة، وأنّ أي خلل يطراً على أحدى حلقات هذه السلسلة سيؤثر بشكل أو بآخر على باقي حلقات السلسلة.

الربح الأعظمي..

يلفت أوجلان بشكل كبير إلى جشع القوى الرأسمالية وسعيها الدائم لتحقيق الربع الأعظمي حتى على حساب دمار الطبيعة وتلوث البيئة والمناخ.

ويرى أوجلان أن اغتراب الفرد والمجتمع عن الطبيعة يبدأ مع تشكل المدنية المركزية وتأسس الدولة، ويزداد هذا الاغتراب مع توسع أركان هذه الدولة.  

ويقول أوجلان بهذا الصدد: "يجري التطرق إلى وحشية الطبيعة، وهذا غير صحيح مئة بالمئة. إنما الإنسان هو الذي توحش أمام جنسه ونوعه، وأمام الطبيعة بشكل خطير، ولقد تبيّن هذا بشكل كبير بعد ظهور أزمة تلوث البيئة. لم يقم أي جنس آخر غير الإنسان بإتلاف وإبادة هذا المقدار الكبير من الحيوانات والنباتات على وجه الأرض، وقد أصبح من الواضح أن هذا النظام الذي لا يرحم، باستطاعته أن يسيء للطبيعة بكل الأشكال والطرق."

غضب الطبيعة

يوضح أوجلان أنه مع تعمق أزمة الأنظمة الاجتماعية سيحصل تعمق في الأزمة الأيكولوجية كذلك، مشيراً إلى أن حلقات السلسلة البيئية متشكلة منذ ملايين السنوات بدأت بتلقي الضرر منذ 5 آلاف عام فقط، وبشكل خاص خلال القرنين الأخيرين.

ومن غير المتوقع متى سيتوقف الأمر، ففي البداية ارتفاع نسبة الكاربونوكسيد والغازات السامة الأخرى في الهواء ينذر بالتلوث، ويخمّن العلماء أن تنقية الهواء مرة أخرى من هذه الغازات يحتاج إلى مئات أو آلاف السنين.

وقد لا تظهر نتائج الأضرار التي لحقت بالعالم النباتي والحيواني بشكل كامل، لكنه أصبح من الواضح أن هاذين العالمين وصلا لمرحلة خطرة، ناهيك عن ارتفاع حرارة البحار وانهيار الجليد في القطبين بالإضافة إلى التصحر ينذرنا بكوارث كبيرة في المستقبل.

ويحذر علماء البيئة والمناخ بشكل متكرر من غضب الطبيعة في مواجهة ممارسات الأنظمة الحاكمة والمهيمنة والذي سيشكل تهديد للعالم والبشرية أجمع وليس لتلك الأنظمة فحسب.

العبر والدروس

يدعو عبدالله أوجلان إلى استخلاص العبر والدروس من كل ما مضى، ويشير في مرافعته "الدفاع عن الشعب" التي طبعت نسختها الأولى سنة 2004 إلى ضرورة تكيف الفرد مع الطبيعة والبيئة، من أجل ضمان استمرارية وجوده البيولوجي.

ويؤكد أوجلان أن الفرد الذي يتحرك وفق تكامل حلقات السلسلة البيئية والطبيعية بمقدوره أن يحافظ على وجوده وديمومته. وعكس ذلك سيؤدي إلى انقراضه، وقد يؤدي أيضاً إلى انقراض الأنواع والأجناس الأخرى في الطبيعة.

ولا ينظر أوجلان إلى كلّ الأحداث السلبية اليومية والكوارث التي حلّت بالعالم والبشرية بتشاؤم، وعلى أنها أحداث مصيرية. لكنه يلفت إلى مواضيع هامة من قبيل أن التوسع السرطاني للمدن، وتلوث البيئة وثقب الأوزون وانقراض أنواع جديدة من النباتات والحيوانات بشكل مستمر، بالإضافة إلى الدمار الذي لحق بالغابات والاحتباس الحراري وانتشار النفايات والتضخم السكاني أدت إلى انتفاضة الطبيعة.

وينوّه أوجلان إلى أنه "بسبب التفكير بتحقيق الربح الأعظمي، لا يفكرون أن هذا العالم كم من المدن والبشر والمعامل ووسائل الاتصال والمواد الاصطناعية والهواء والمياه الملوثة سيتحمل."

الحلّ

يولي المفكر عبدالله أوجلان أهمية كبيرة لحملات تنمية وتطوير العلوم الأيكولوجية والمنظمات التطوعية العالمية في مواجهة الكوارث التي حلّت بالطبيعة، ويقدّم لها عدداً من النصح  والاقتراحات.

يدعو أوجلان في البداية إلى زيادة عدد المؤسسات التي تعمل على حماية البيئة والمناخ وتقويتها، وجعلها جزءاً من المجتمع الديمقراطي.

كما يدعو أوجلان إلى إقامة حملات لتوعية الناس حول أهمية حماية البيئة والتعامل بديمقراطية، مماثلة لتلك الحملات التي جرت لأجل التوعية الاثنية والقومية في إحدى الأوقات. والعمل على بعث الحياة في الطبيعة من جديد وجعلها جزءاً من النشاطات الاجتماعية، ويرفع أوجلان شعار "الوطنية الكبرى هي بناء الغابات وزراعة الأشجار" في هذا المضمار.

كما يدعو أوجلان جميع المؤسسات العالمية القائمة على حماية البيئة بالتواصل مع بعضها البعض، ويولي أهمية كبيرة للنقاشات التي ستدور بين تلك المؤسسات بغرض التوصل إلى إطار يوحد نشاطاتها في هذا المسار.

ويرى أوجلان أن الحركات اليسارية والأكولوجية وحتى الفامينية ومؤتمرات "بورتو أليغرو" لم تصل إلى تلك القابلية التي بمقدورها إنهاء هذه الأزمة التي حلّت بالبيئة والطبيعة، ويرى أيضاً حاجة تلك المؤسسات والحركات إلى النقاش حول وجهات النظر العامة مثل "المجتمع الأيكولوجي والديمقراطي والحرية الجنسوية." بالإضافة إلى تقوية حواراتها ونقاشاتها حول التكتيكات المحلية المتبّعة لحلّ هذه الأزمة.